أبي الفرج الأصفهاني
327
الأغاني
نقد أبو العنبس الصيمري شعرا له فتهاجرا حدّثني جحظة قال حدّثني عليّ بن يحيى قال : أنشد مروان بن أبي الجنوب المتوكَّل ذات يوم : إنّي نزلت بساحة المتوكَّل ونزلت في أقصى ديار الموصل فقال له بعض من حضر : فكيف الاتّصال بين هؤلاء والمراسلة ؟ فقال أبو العنبس الصّيمري : كان له حمام [ 1 ] هدىّ يبعث بها إليه من الموصل حتّى يكاتبه على أجنحتها . فضحك المتوكَّل حتى استلقى ، وخجل مروان وحلف بالطلاق لا يكلَّم أبا العنبس أبدا ، فماتا متهاجرين . كذا أكبر حفظي أنّ جحظة حدّثني به عن عليّ بن يحيى ؛ فإنّي كتبته عن حفظي . أنشد المتوكل في مرضه بالحمى قصيدة ، فقال عليّ بن الجهم أن بعضها منتحل أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال قرأت في كتاب قديم : قال عوف بن محلَّم لعبد اللَّه بن طاهر في علَّة اعتلَّها : فإن تك حمّى [ 2 ] الرّبع شفّك وردها فعقباك منها أن يطول لك العمر وقيناك لو نعطى المنى فيك والهوى لكان بنا الشّكوى وكان لك الأجر قال : ثم حمّ المتوكَّل حمّى الرّبع ، فدخل عليه مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة ، فأنشده قصيدة له على هذا الرّويّ ، وأدخل البيتين فيها ، فسرّ بها [ 3 ] / المتوكل . فقال له عليّ بن الجهم : يا أمير المؤمنين ، هذا شعر مقول ، والتفت إليّ وقال : هذا [ 4 ] يعلم . فالتفت إليّ [ المتوكَّل ] وقال [ 5 ] : أتعرفه ؟ فقلت : ما سمعته قبل اليوم . فشتم عليّ بن الجهم وقال له : هذا من حسدك وشرّك وكذبك . فلمّا خرجنا قال عليّ بن الجهم : ويحك ! مالك قد جننت ! أما تعرف هذا الشعر ؟ قلت : بلى ! وأنشدته إيّاه . فلَّما عدت إلى المتوكَّل من غد قال له : يا أمير المؤمنين ، قد اعترف لي بالشّعر وأنشدنيه ، . فقال لي : أكذاك هو ؟ فقلت : كذب [ يا أمير المؤمنين ] [ 6 ] ! ما سمعت به قطَّ فازداد عليه غيظا وله شتما . فلمّا خرجنا قال لي : ما في الأرض شرّ منك . فقلت له : أنت أحمق ، تريد منّي أن أجيء إلى شعر قد قاله فيه شاعر يحبّه ويعجبه شعره فأقول له : إنّي أعرفه فأوقع نفسي وعرضي / في لسان الشاعر لترتفع أنت عنده ، ويسقط ذاك ويبغضني [ 7 ] أنا !
--> [ 1 ] الحمام الهدّاء : ضرب من الحمام يدرّب على السفر من مكان إلى مكان ، فيرسل من أمكنة بعيدة فيذهب إلى حيث يراد منه أن يذهب ، الواحد هاد ، والجمع هدّى ( بالقصر ) وهدّاء ( بالمدّ ) ؛ كما يقال غاز وغزىّ وغزّاء . وورود هذين الجمعين في الوصف المعتل اللام نادر . [ 2 ] حمى الربع : التي تنوب في اليوم ثم تدع المريض يومين ثم ترده في اليوم الرابع . [ 3 ] في ط ، ف : « فأدخل البيتين فسر بهما . . . » . [ 4 ] في ف : « قال : وهذا يعلم » . [ 5 ] في ف : « فقال لي المتوكل : أتعرفه » . [ 6 ] زيادة في ف . [ 7 ] كذا في ف . وفي سائر الأصول : « ويبغضني أيضا » .